للقـــراءة والتأمـــل
لمــاذا يبــدأ التشافــي بالفهــم لا بالتغييــر؟
عندما نمر بتجربة تترك أثرًا بداخلنا، قد نبحث عن طريقة تساعدنا على التحرر من هذا الأثر. نجرّب أدوات مختلفة، ونتبع مسارات للتشافي، ونبذل جهدًا لتجاوز ما نشعر به، لكننا أحيانًا لا نصل إلى النتيجة التي نتمناها، أو نجد أنفسنا أمام المشاعر نفسها من جديد.
فماذا لو بدأنا من مكان مختلف؟ ماذا لو حاولنا فهم ما نعيشه قبل أن نسعى إلى تغييره؟
أحيانًا، ندخل رحلة التشافي ونحن نبحث عن طريقة تخلّصنا من الألم أو تحررنا من مشاعر تثقلنا. وقد نتبع أساليب نجحت مع أشخاص آخرين، معتقدين أنها ستناسب تجربتنا أيضًا. لكن لكل منا تجربته الخاصة، وما يساعد شخصًا على التشافي قد لا يكون مناسبًا لغيره، لأن الأثر الذي نحمله، وطريقة تشكّله، واحتياجاتنا، تختلف من شخص إلى آخر.
عندما نبدأ بالفهم، تصبح تجربتنا هي نقطة الانطلاق. نحاول أن نفهم ما الذي نشعر به، وما التجارب التي ساهمت في تشكّل هذا الشعور، وكيف ما زال يؤثر فينا اليوم. بدل أن نتعامل مع المشاعر باعتبارها شيئًا يجب التخلص منه، نمنح أنفسنا فرصة لفهمها، وفهم ما نحتاج إليه للتعامل مع أثرها.
وهذا الفهم يمنحنا دورًا أكثر وعيًا في رحلة التشافي. نصبح أقدر على ملاحظة التغيّرات التي تحدث داخلنا، وتقييم أثر الأساليب التي نجربها، وفهم سبب عدم استجابة بعض الجوانب للتغيير كما توقعنا. كما يساعدنا على معرفة متى نحتاج إلى الاستمرار، ومتى يكون من الأفضل تغيير المسار، ومتى نحتاج إلى التوقف أو منح أنفسنا مزيدًا من الوقت.
ومع تعمّق فهمنا لتجربتنا، نصبح أقدر على اختيار الأدوات التي تناسب احتياجاتنا، والاستعانة بالشخص المناسب لمساعدتنا. فبدل أن نترك تحديد مسار تشافينا لما نجح مع الآخرين، نبدأ باتخاذ قراراتنا بناءً على فهمنا لما نعيشه وما نحتاج إليه فعلًا.
وهذا لا يعني أن علينا خوض رحلة التشافي وحدنا، أو أن نعرف كل شيء عن أنفسنا منذ البداية. بل يعني أن نكون جزءًا واعيًا من هذه الرحلة، نفهم ما نستطيع فهمه، ونطلب الدعم عندما نحتاج إليه، ونشارك في اختيار المسار الذي نعمل عليه.
فالتشافي لا يبدأ بمحاولة تغيير ما نشعر به فحسب، بل بفهم ما نعيشه، حتى نعرف كيف نتعامل معه وما الذي يساعدنا فعلًا على التحرر من أثره.