حين ترى تعي، وحين تعي تتّسع

للقـــراءة والتأمـــل

بيــن الاستســلام والتسليــم

أحيانًا، نسعى لتغيير أمرٍ ما في حياتنا، ونجرّب طرقًا مختلفة لتحقيق ما نريد، لكننا رغم محاولاتنا لا نصل إلى النتيجة التي نتمناها. فنجد أنفسنا بين خيارين: إما أن نتوقف عن المحاولة لأننا لم نعد نرى نتيجة، أو أن نواصل بالطريقة نفسها، على أمل أن يتغير شيء ما.

لكن ماذا لو لم يكن علينا الاختيار بينهما أصلًا، وكان هناك طريق آخر؟

أن نستسلم للطريقة التي لم تعد تنفع، ونسلّم لاحتمال أن هناك طرقًا أخرى لم نكتشفها بعد.

فأحيانًا، لا تكون المشكلة في رغبتنا بالتغيير، بل في الطريقة التي نحاول من خلالها تحقيقه. قد نكرر الأسلوب نفسه، وننظر إلى الأمر من الزاوية نفسها، وننتظر نتيجة مختلفة، دون أن ننتبه إلى أن ما نحتاج إليه ربما ليس مزيدًا من المحاولة، بل فهمًا مختلفًا لما يحدث.

هنا، لا يعني التسليم أن نتوقف عن المحاولة، بل أن نتوقف قليلًا لنفهم لماذا لم تنجح محاولاتنا السابقة. ربما نحتاج إلى تغيير الطريقة التي نتعامل بها مع الأمر، أو النظر إليه من زاوية مختلفة، أو فهم شيء في أنفسنا يؤثر في طريقة تعاملنا معه. بدل أن نكرر ما اعتدنا فعله، نمنح أنفسنا فرصة لاكتشاف ما لم نجربه بعد، ونترك مساحة للتغيير دون أن نفرض عليه شكلًا محددًا أو نستعجل نتائجه.

وقد تتضح الفكرة أكثر عندما ننظر إلى بعض الأمور التي نسعى إليها في حياتنا.

لنفترض أنك ترغبين في الزواج، وقد جرّبت جلسة جذب، وخرجت وتعرّفت إلى أشخاص جدد، لكنك لم تجدي الشريك المناسب. حتى في عملك، لا تشعرين أن زملاءك الرجال ينتبهون إليك أو يرونك بهذه الطريقة.

ربما حان الوقت لتتوقفي قليلًا وتسألي نفسك: لماذا أريد الزواج؟ ما الشعور الذي أتمنى أن يمنحني إياه وجود شريك في حياتي؟

هل أبحث عن الحب، أم الأمان، أم الشعور بأنني مرغوبة ومهمة في حياة شخص آخر؟

ماذا لو بدأت بمنح نفسك بعض هذه المشاعر، بدل أن تنتظري الزواج حتى تعيشيها؟ قد يدفعك ذلك إلى الاهتمام بنفسك أكثر، أو بدء مشروع تحبينه، أو السفر إلى مكان لطالما رغبت في زيارته. وربما تلتقين خلال هذه التجارب بشريك حياتك، في مكان لم يخطر لك أن تبحثي فيه عنه.

أنت لم تتخلي عن رغبتك في الزواج، لكنك لم تعودي تحصرين حياتك في انتظاره، ولا تبحثين عنه بالطريقة نفسها. لقد تغيّرت نقطة انطلاقك، وأصبحت أكثر انفتاحًا على احتمالات لم تكوني ترينها من قبل.

والأمر نفسه قد يحدث مع المال.

قد تجرّب عدة مشاريع دون أن تنجح، ثم تجد نفسك أمام خيارين في العمل: وظيفة بدخل جيد لكنها تستنزفك نفسيًا، أو وظيفة ترتاح فيها لكن راتبها لا يكفي احتياجاتك.

بعد تكرار هذه التجارب، يمكنك أن تتوقف قليلًا وتسأل نفسك: ماذا أريد من المال فعلًا؟ ربما تبحث عن الأمان، أو الحرية، أو الاستقلال، أو القدرة على عيش حياة أكثر راحة.

حين تتضح لك هذه الاحتياجات، يمكنك أن تعيد النظر في خياراتك، وأن تبحث عن فرص تتناسب بصورة أفضل مع احتياجاتك وقيمك، بدل أن تحصر نفسك بين دخل مرتفع يستنزفك ودخل منخفض لا يحقق لك ما تريد. وقد تبدأ أيضًا ببناء شعورك بالأمان من مصادر أخرى، بالتوازي مع سعيك لتحسين وضعك المالي.

عندما تتغيّر نظرتك إلى المال وما يمثّله بالنسبة إليك، قد تصبح أقل اندفاعًا وأكثر تأنّيًا في البحث عن وظيفة تناسبك، أو تنفتح على فكرة مشروع لم تفكر فيها سابقًا، أو تكتشف طريقة جديدة للاستفادة من مهاراتك.

أنت لم تتخلَّ عن رغبتك في تحسين وضعك المالي، لكنك لم تعد تسعى إليه بالطرق نفسها، بل أصبحت تبحث عن خيارات تنسجم أكثر مع الحياة التي تريد أن تعيشها.

في الحالتين، لم يتخلَّ الإنسان عن رغبته، ولم يتوقف عن السعي نحوها. ما تغيّر هو أنه لم يعد يحصر سعيه في الطرق نفسها، بل بدأ يفهم ما الذي يبحث عنه وراء هدفه، ويمنح نفسه مساحة لاكتشاف طرق أخرى للوصول إليه.